إثنان و ستون عاما بعد ضياع القدس ... في ذكرى صلاح الدين للدكتور السقار

    شاطر
    avatar
    icer

    مساهمات : 324
    تاريخ التسجيل : 09/04/2010
    الموقع : DZ

    إثنان و ستون عاما بعد ضياع القدس ... في ذكرى صلاح الدين للدكتور السقار

    مُساهمة من طرف icer في الخميس مايو 20, 2010 6:23 pm

    ففي مثل هذه الأيام من أواخر صفر اشتد المرض بيوسف بن أيوب.
    أعلن الأطباء عجزهم وفشلهم في استنقاذه. واجتمع الأمراء والعلماء يشهدون آخر أيامه. دخلوا عليه وهو في غياب كامل عن وعيه. قام أحدهم يقرأ القرآن على رأسه فلما انتهى إلى قوله تعالى‏:‏ هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة‏ أفاق من غيبوتته ،‏حرك شفتيه وقال: صحيح‏ صحيح، تبسم وتهلل وجهه ثم أسلم روحه إلى خالقه.
    كان المسلمون يوم وفاته لا يتصورون أن يأتي على المسلمين يوم لا يعرف المسلم فيه يوسف بن أيوب. ما كانوا يتصورون أن يأتي زمان لا يعرف المسلم في أي قرن مات صلاح الدين.
    ماذا يعني أن لا يعرف مسلم في أي قرن مات صلاح الدين؟
    الحديث عن صلاح الدين ليس تاريخا باليا عتيقا. الحديث عن صلاح الدين ليس انفصالا عن الواقع. جعل الله الدنيا أياما يداولها بين الناس. أيام يدور دولابها فيرفع أناسا ويهبط بآخرين.
    العاقل في هذا الدولاب من اتعظ وانتفع بتجارب السابقين. جعل الله الدنيا أياما يداولها بين الناس، لا يرفع الله فيها أقواما ولا يضع فيها آخرين إلا بسنة جارية لا تقبل تغييرا ولا تبديلا.
    العاقل في هذه الدار من استجاب لأمر الله بالسير في الأرض والنظر فيها.
    في بضعة عشر موضعا من كتاب الله أُمرنا بالسير في الأرض والنظر في التاريخ.
    (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)
    ماذا يجدي نظر البصر في الحاضر والواقع إذا عميت القلوب عن النظر في التاريخ؟
    فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي لم تنظر إلى سنن الله الجارية الثابتة.
    المسلمون يتخبطون في هذا الواقع والحاضر تخبط العميان. وإنما يتخبطون لاعتمادهم على نظر الأبصار في الواقع وإعراضهم عن نظر القلوب.
    إذا رأيتم بأبصاركم طغيان الأعداء واستكبار المجرمين فسيروا في الأرض وقلبوا التاريخ. سيروا في الأرض لتنظروا عاقبة استكبار السابقين. (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا *أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ)
    *الحديث عن صلاح الدين ليس تاريخا باليا عتيقا.
    الحديث عن صلاح الدين حديث عن سنة الله التي يُستعاد بها بيت المقدس.
    فألق السمع وأنت شهيد إذا أردت أن تعرف علاقة التاريخ بحاضرك.
    ألق السمع إلى حديثنا عن واقع الأمة قبيل فتح بيت المقدس.
    قارن بين ذلك الواقع في الماضي وهذا الواقعِ في الحاضر.
    اقطع صفحة تاريخ الأمة قبيل فتح المقدس من كتب التاريخ. استبدل الأسماء القديمة فيها بما يناسبها من الأسماء المعاصرة. عند ذلك لن تدرك الفارق بين الحاضر والتاريخ.
    تقول هذه الصفحة من كتب التاريخ:
    ( تكالب على بلاد المسلمين الصقليون والألمان، حتى ملوك ما وراء البحر وأصحابُ الجزر كالبندقية والجنوية وغيرهم تكالبوا على بلاد المسلمين. تأهبوا بالعمائر البحرية والأساطيل القوية، سيروا الصليب وجلبوا إلى بلاد المسلمين آلة قتالهم وحربهم. فنزلوا في بلاد الشام كلها وبنوا فيها قلاعا، وسعوا فيها خرابا. والمسلمون عقائدهم معتلة، وأمورهم مختلة. الآراء فاسدة، والأمراء متحاسدة. أهواء غالبة وعقول غائبة. وأمراء الدولة قد مدوا الأيدي والأعين والسيوف، وساءت سيرتهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، وكل واحد يتخذ عند الفرنجة يدا، ويجعلهم لظهره سندا، يحمل إليهم الجزية ويكشف لهم العورة)
    هذا تاريخ أم واقع وحاضر؟ في الماضي والحاضر لم تتغير إلا الأسماء
    تكالب اليوم على بلاد المسلمين الفرنجة والأسبان والألمان، حتى الدول التي لا يقيم لها العالم وزنا لها في بلاد المسلمين جنود وأطماع. حتى أثيوبيا صارت تحتل من بلاد المسلمين.
    تكالبوا علينا وتأهبوا بالعمائر البحرية والأساطيل القوية. من كل جهة وفي كل بحر أحاطت بنا أساطيلهم. جلبوا إلى بلاد المسلمين آلة قتالهم وحربهم. نزلوا في بلاد العرب وبنوا فيها سفارات وقواعد وقلاعا، منها يسعون في بلاد المسلمين خرابا. صار حساب الأرامل والأيتام والمشردين بالملايين.
    والمسلمون اليوم عقائدهم معتلة وأمورهم مختلة. الآراء فاسدة، والأمراء متحاسدة. قمة من بعد قمة. الأهواء فيها ظاهرة غالبة والعقول فيها مشتتة غائبة. كل واحد منهم يتخذ عند الفرنجة يدا، ويجعلهم لظهره سندا، يحمل إليهم الجزية ويكشف لهم العورة. ووزراء الدولة قد مدوا الأيدي والأعين والسيوف، وساءت سيرتهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف)
    مِن مثل هذا السفحِ والدركِ والواقع أعاد صلاح الدين الأمجاد وحرر المقدسات.
    فسيروا في الأرض وانظروا، لا تنتظروا أن يتنزل عليكم صلاح الدين من جو السماء.
    فاتح بيت المقدس تنجبه النساء ولا يتنزل مع قطر السماء.
    لا تنتظروا من الله أن يصلح الحال التي أمركم بإصلاحها. سيروا في الأرض فانظروا كيف كان حال المسلمين في زمن صلاح الدين. من رحم الهوان والاستضعاف وتكالب الأعداء ولد فاتح بيت المقدس.
    فاتح بيت المقدس يخرج من مثل ما نحن فيه من مخاض الهوان والفرقة والاختلاف.
    من كأس الخمر ولهو الشباب إلى معراج النصر والفتح والتمكين.
    كان في شبابه كمثل الأمراء المترفين مقبلا على الدنيا ولهوها، امتد به اللهو حتى أوصله إلى شرب الخمر. لكن التوجه إلى أرض الإسراء وبوابة السماء يطوي أبعاد الواقع والزمان والمكان. كان شابا منقادا لنفسه وشهواته فلما توجه إلى بيت المقدس صارا قائدا ينقاد له الفقهاء والصالحون وأهل القرآن.
    ألقى كأس الخمر ليركب براق العز إلى معراج النصر عبر بوابة الأقصى.
    من حال الهوان وتكالب الأعداء إلى معارج النصر والفتح والتمكين.
    من حال الانقياد إلى شهوات الخمر واللهو إلى قيادة الفقهاء والقراء.
    لا يقرب مابين الحالين من بعد إلا براقٌ يضع حافره عند منتهى طرفه.
    سيروا في الأرض فانظروا كيف أعاد صلاح الدين للأمة مقدساتها.
    سيروا في الأرض فانظروا كيف نهض بالأمة من كبوتها وتشرذمها بخطوات معدودات.
    أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها كيف استعادت الأمة مقدساتها أول مرة!
    خطوات استفتحها صلاح الدين بالقضاء على المبتدعة الرافضة. أنشأ عددا من المدارس لتدريس الفقه المالكي والفقه الشافعي. فهم صلاح الدين أن تصحيح العقيدة هو السبيل إلى توحيد الأمة. لكنه لم يفشل كما فشلنا في محاولة توحيد الأمة على العقيدة.
    نحن في هذا العصر جعلنا من العقيدة التي أردنا توحيد الأمة عليها سببا في تفريق أسرنا ومساجدنا. يصلي الرجلان في مسجد واحد بل في صف واحد تحسبهم جميعا وقلوبا شتى . وما من سبب لتدابرهم وتنازعهم إلا الاختلاف في ما حسبوه عقيدة.
    وإذا استفهمت عن هذه العقيدة لم يطق من تعصب لها فهمها ولا ذكر دليلها.
    مرت على محاولات جمعنا مئة عام ما ازددنا فيها إلا تمزقا. كان آباؤنا يعرفون لكل مسلم حقه. كلما ازداد الواحد منهم تدينا ازداد حفظا ورعاية لحقوق إخوانه المسلمين ومودتهم. ونحن اليوم نرى من يزداد هجرا وتبديعا ونفورا من إخوانه كلما ازداد مما يسميه علما!
    كيف يجمع الأمة من بدأنا تعلميه بالحكم على الأمة بالنار والنجاة له ولمن وافقه؟
    تركوا المحكمات وانشغلوا بالمتشابهات. أقحموا الصبيان والعوام في ذات الله وصفاته وساقه وأصابعه. (يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب)
    أما صلاح الدين فقد فهم أن الأمة لا تجتمع على العقيدة إذا أقحمنا فيها المسائل الخلافية.
    كتب مراسيمه وسن قوانينه بمعاقبة من خاض في ذات الله وصفاته. وأمر العلماء أن يكتبوا له العقيدة كما فهموها من القرآن والسنة نقية صافية. وأملى عليه علماء السنة العقيدة الصافية فكان يحفظها ويربي أولاده على حفظها.
    هذه العقيدة التي وحدت الكلمة وجمعت الأمة ونهضت بها من الكبوة هي العقيدة التي يحكم عليها بعض الشباب اليوم بالبدعة!
    سيروا في الأرض فانظروا كيف أعاد صلاح الدين للأمة مقدساتها:
    جمع العلماء من حوله وأنشأ مدارس الفقه المالكية والشافعية. أكرم القراء وطلاب العلم يفتح لهم الخزائن. وإذا فتح صلاح الدين الخزائن أهلكها كما يهلك أعداؤه، لا يبقي فيها دينارا ولا درهما. كان نواب خزائنه يخفون عنه شيئاً من المال حتى لا ينفقه فلا يبقي للدولة مالا ربما تحتاج إليه.
    سيروا في الأرض فانظروا كيف كان صلاح الدين يكرم أهل القرآن في خلواتهم وكتاتيبهم.
    مر على صبي وهو يقرأ القرآن فاستحسن قراءته فقربه وشاركه في طعامه وأهدى لأبيه بستانا ومزرعة‏.‏
    سيروا في الأرض فانظروا كيف استعد لفتح المقدس بتعلم السنة المطهرة.
    استدعى من المحدثين من يرضى بالدخول عليه. فإذا حضر الشيخ جلس بين يديه وأجلس معه أولاده ومماليكه يستمع إلى حديث محمد صلى الله عليه و سلم. كان ينهى أولاده وعبيده عن الوقوف أثناء سماع حديث‏ النبي صلى الله عليه و سلم. وإذا سمع عن شيخ لا يحب الدخول على السلاطين ذهب إليه في حلقته وسمع عليه‏.‏
    يفصل بيننا وبين موت صلاح الدين أكثر من ثمانية قرون. حكم خلال هذه القرون من الأمراء والسلاطين من لا يحصيهم إلا الله. كثير منهم الأرض صخبا وعلوا وملأ خزائنه لؤلوا وذهبا. ابتلعت الأرض أجسادهم وآثارهم، ضاعت ثرواتهم وممالكهم.
    كم في هذه القرون من سلطان ملك الناس بالقهر والحديد والنار؟ فلما أذاقهم الله كأس الموت صارت سيرهم شهادة على الظلم والقهر والتخلف. (مستريح ومستراح منه)
    وحده صلاح الدين تربع في وجدان كل مسلم. وحده صلاح الدين ملك قلوب الناس قرونا. وحده الذي يذكر على منبر محمد صلى الله عليه و سلم ولو بعد قرون. قرن الله ذكره بذكر بيت المقدس.
    في مثل هذه الأيام من أواخر صفر استعدى صلاح الدين حامل رايته وقال له :
    احمل رايتي بعد موتي على رأس رمح طويل وناد الناس وقل لهم : مات صلاح الدين ولم يأخذ معه سوى خرقة بالية كهذه الخرقة، قل لهم : من جميع البلاد المترامية والكنوز الهائلة لم يستطع أن يأخذ منها لنفسه أكثر من كفنه
    ما ترك صلاح الدين مالاً ولا ذهباً ولا عقارًا. ترك مجدا وذكرا لا يفنى
    ترك في ما ترك رسالة بعثها إلى قائد الفرنجة. رسالة علينا أن نجعلها ثقافة ولقاح عز يعطي في وريد أطفالنا رسالة يقول فيها : «القدس إرثنا كما هي إرثكم.. من القدس عرج نبينا إلى السماء.. وفي القدس تجتمع الملائكة.. لا تفكر بأنه يمكن أن نتخلى عنها كأمة مسلمة. أما بالنسبة للأرض، فإن احتلالكم فيها كان شيئاً عرضياً، وحدث لأن المسلمين الذين عاشوا في البلاد حينها كانوا ضعفاء. ولن يمكنكم الله أن تشيدوا حجراً واحداً في هذه الأرض طالما استمر الجهاد».
    فسيروا في الأرض وانظروا، لا تنتظروا أن يتنزل عليكم صلاح الدين من جو السماء.
    فاتح بيت المقدس تنجبه النساء ولا يتنزل مع قطر السماء. صلاح الدين تنجبه الأمة إذا جعلت الأقصى حنينها وشعرها ونثرها.
    صلاح الدين تنجبه الأمة من رحمة الهوان إذا لقحت بحب الأقصى أرواح مواليدها.

    الدكتور صهيب الصقار

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة مارس 24, 2017 1:02 pm